الشيخ محمد النهاوندي
11
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الواحد ، حيث رتّب وجوب التبيين على كون المخبر فاسقا ، ولو لم يجز قبول خبر العادل ، لما كان للترتيب على خبر الفاسق فائدة ، وتقريره أنّ تعليق وجوب التبيين على خبر الفاسق ، يقتضي انتفاء الوجوب عند انتفاء الفسق في المخبر ، وهو بكون المخبر عادلا ، وحينئذ فإمّا نقول بعدم قبول خبره ولو مع التبيين ، بمعنى كون التبيين لغوا في مورده ، فيلزم كون خبر العادل أسوأ حالا من خبر الفاسق ، وهو باطل ، مع أنّ التبيّن سبب لليقين بصدقه ، ولا معنى لعدم قبول الخبر المتيقّن الصدق . وإمّا نقول بوجوب قبول خبره بلا تبيّن ، فهو المطلوب ، وفيه أنّ الاستدلال مبني على القول بحجيّة مفهوم الوصف ، وتعليق الحكم عليه ، وهو ممنوع ، كما حقّق في محلّه . نعم لو تمسّك بمفهوم الشرط ، بأن يقال : إنّ الآية نظير قولك : إن جاءك زيد سائلا فأعطه درهما ، فانّ مفهومه إن جاءك غير سائل فلا تعطه ، وفيه : أن الشرط هنا لبيان تحقّق الموضوع ، كقولك : إن رزقت ولدا فاختنه ، وهذه القضية الشرطية لا مفهوم لها إلّا أن يقال الموضوع هو النبأ ، والمعنى : النبأ إن جاء به الفاسق فتبيّنوا ، وإن جاء به غير الفاسق ، وهو العادل ، فلا تبيّنوا . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) ثمّ لمّا أخبر الوليد بقيام بني المصطلق لقتال المسلمين ، رأى جمع من الأصحاب تجهيز الجيش وإصابتهم ، وكانوا يتوقّعون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يتّبع رأيهم ، فردعهم عن هذا التوقّع بقوله : وَاعْلَمُوا أيّها المسلمون أَنَّ محمدا الذي يكون فِيكُمْ ويعيش بينكم كأحدكم هو رَسُولَ اللَّهِ العالم بحقائق الأمور ، المحيط بجميع المصالح والمفاسد ، فلا تتوقعوا منه أن يتّبع آراءكم ويطيعكم في أهوائكم ، تنزيلا له عن شأنه ، وحسبانا أنّه كأحدكم ، جهلا بمقامه ، فانّه صلّى اللّه عليه وآله لَوْ يُطِيعُكُمْ ويتّبع آراءكم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ وغالب الوقائع باللّه لَعَنِتُّمْ وابتليتم بالمفاسد ، ووقعتم في المهالك أو المشاقّ ، لجهلكم وقصور فهمكم وعقلكم ، ولا تتوهّموا أنّكم لكمال عقلكم وجودة أفهامكم وتنوّر أفكاركم ، اخترتم الايمان ، واحترزتم عن الكفر والفسق والعصيان ، وتستدلّون به على إصابة رأيكم في جميع الأمور ، وحسن أنظاركم في تشخيص المصالح وَلكِنَّ اللَّهَ برحمته ولطفه عليكم حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ باللّه ورسوله ، ورغّبكم إليه وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وحسّنه في ضمائركم بإقامة البراهين القاطعة ، وإراءة المعجزات الباهرة ، وتوفيقكم لقبوله ، وتنبيهكم على فوائده وَكَرَّهَ